الباب الثاني: المخبأ (العدة والعتاد)

الفصل الثامن

السماعات: لا تثق بما تسمعه أذناك

أو: لماذا تبدو تسجيلاتك "عالمية" في غرفتك، و"كارثية" في سيارة العميل؟

قصة قصيرة: "فخ البيز (Bass) القاتل"

قام "سامي" بميكساج مشروعه الأول باستخدام سماعات (Beats) باهظة الثمن، المشهورة بتضخيم الـ Bass. كان يسمع صوته "عميقًا" و"فخمًا" جدًا، فقرر خفض الترددات المنخفضة (EQ Cut) لأنه ظن أنها عالية.

أرسل الملف للعميل. العميل استمع للملف على لابتوب، وجاء الرد: "لماذا صوتك رفيعٌ وحادٌ مثل البعوضة؟".
السبب: سماعات سامي "كذبت" عليه وأوهمته بوجود Bass غير موجود، فقام هو بإلغائه، والنتيجة كانت كارثة صوتية.

1. سماعاتك "المنافق" الأكبر

السماعات التجارية (Consumer Headphones)، وسماعات الجيمنج المضيئة بألوان قوس قزح، مصممة لهدف واحد: "إمتاعك". هي تقوم تلقائيًا برفع الـ Bass وتلميع الـ Treble لتعطيك شعورًا بالفخامة (V-Shape Curve).

هي مثل "فلتر تجميل" يوضع على وجهك فور استيقاظك من النوم؛ يجعلك تبدو جميلًا، لكنه لا يغير حقيقة أنك لم تغسل وجهك. في الهندسة الصوتية، أنت تحتاج لمرآة "صادقة" و"قاسية" تريك كل بثرة وكل عيب في صوتك.

2. الصديق "الوقح" (Monitor Headphones)

في الاستوديو، نستخدم سماعات خاصة تسمى (Flat Response Studio Monitors). هذه السماعات تتميز بأنها "مملة" جدًا. لا تضيف أي بهارات للصوت.

إذا كان صوتك سيئًا، ستقول لك: "صوتك سيء". وإذا كان هناك "هس" (Hiss) خفيف، ستسمعك إياه بوضوح مزعج. هي الصديق الذي يخبرك أن هناك قطعة سبانخ بين أسنانك قبل أن تبتسم للكاميرا.

قصة قصيرة: "مغني البلوتوث المتأخر"

حاولت "سارة" تسجيل دبلجة لفيلم كرتوني باستخدام سماعات (AirPods) لأنها مريحة ولاسلكية. كانت تشاهد الفيديو وتتحدث.

بعد الانتهاء، اكتشفت أن صوتها متأخر عن حركة الشفاه بنصف ثانية في كل الفيلم. السبب هو (Latency) أو التأخير الزمني في نقل البيانات عبر البلوتوث.
القاعدة: في التسجيل، السلك (Wired) هو الملك. البلوتوث للرياضة فقط.

3. معضلة "المفتوحة" و"المغلقة"

عندما تذهب لشراء سماعة احترافية، ستجد نوعين، والاختيار الخاطئ هنا قد يدمر تسجيلك:

المغلقة (Closed-Back): تكتم الصوت تمامًا. هذه مخصصة للتسجيل أمام المايكروفون، حتى لا يتسرب الصوت من السماعة إلى المايك (Bleed) وتفسد التسجيل.
المفتوحة (Open-Back): ظهرها مثقوب. تسمح للهواء بالمرور. صوتها "طبيعي" وواسع، وهي مثالية للميكساج لأنها لا تتعب الأذن. (لكن إياك أن تستخدمها أمام المايك!).

قصة قصيرة: "شبح الميترونوم"

استخدم "كريم" سماعة مفتوحة (Open-Back) غالية الثمن لتسجيل كتاب صوتي. كان يستمع لموسيقى خلفية هادئة ليضبط إحساسه.

عند المونتاج، اكتشف المهندس أن الموسيقى الخلفية "مطبوعة" بصوت خافت جداً على تراك الصوت (تسربت من السماعة للمايك). كان من المستحيل فصلها.
اضطر كريم لإعادة تسجيل الكتاب كاملاً، لكن هذه المرة بسماعة رخيصة "مغلقة" بإحكام.

4. فخ "المقاومة" (Impedance)

ترى سماعات تبدو احترافية، لكن تجد عبارة "250 Ohms" أو "80 Ohms". ماذا يعني هذا؟

تخيل أن "المقاومة" هي وزن الباب:

  • منخفضة (32-80 أوم): باب خفيف. يستطيع هاتفك أو حاسوبك "دفعه" وفتحه بسهولة. الصوت سيكون عالياً.
  • عالية (250-600 أوم): باب حديدي ثقيل. طاقة هاتفك لا تكفي لتحريكه. تحتاج "واجهة صوتية" قوية أو مضخم (Amp) لفتحه. إذا اشتريتها بدون معدات، لن تسمع سوى همس.

5. أمثلة من واقع العمل

إليك اختبارات حقيقية يقوم بها المحترفون للتأكد من جودة الصوت:

اختبار السيارة (The Car Test):

المهندس المحترف يأخذ الميكس ويسمعه في سيارته. لماذا؟ لأن سماعات السيارة "قاسية" وغير مثالية، والضوضاء فيها عالية. إذا كان الصوت واضحًا هناك، فهو سينجح في أي مكان.

اختبار الهاتف (The Phone Test):

معظم الناس سيسمعون صوتك عبر سماعة هاتف صغيرة. إذا اختفى صوتك أو "البيز" عند سماعه من الهاتف، فالميكساج فاشل، مهما كان جميلًا في السماعات الضخمة.

6. حكمة الاستوديو

"إذا كانت سماعاتك تجعل كل أغنية تسمعها تبدو جميلة، تخلص منها فورًا. أنت بحاجة لسماعة تخبرك بالحقيقة القبيحة لتتمكن من تجميلها."

7. لا تحزر.. اختبر (أدوات النجاة)

حتى لو اشتريت أفضل سماعة في العالم، تذكر أن أذنك نفسها قد تكون "خادعة" بسبب التعب. لذلك، وضعت لك في الحقيبة أدوات لكشف الكذب:

أولًا: هل تسمع الحقيقة؟

قبل أن تلوم السماعة، اختبر أذنك. هل تعاني من "فقدان سمع" في ترددات معينة؟ وهل تميز بين جودة (Mp3) و (Wav)؟

اختبر أذنك

ثانيًا: اختبار "السيارة" (الرقمي)

استخدم هذه الأداة لمحاكاة ترددات الهواتف والسيارات. اسمع كيف سيبدو صوتك للجمهور قبل أن ترسله.

افحص التوافق

الخلاصة: الثقة لمن يستحقها

أذنك البشرية مدهشة، لكنها عاطفية وسهلة الخداع. السماعات التجارية "منافقة" تمدحك لتشتريها. وحدها سماعات المراقبة (Monitors) هي التي تملك الجرأة لتقول لك: "لديك مشكلة هنا".

لا تثق بما تسمعه أذناك فقط.. ثق بما تقوله "الأرقام" وأدوات القياس.