الباب الثالث: الفن (ما لا يملكه الروبوت)

الفصل العاشر

سيبويه والـ AI.. معركة خاسرة

أو: لماذا يقرأ الروبوت كلمة "عَقْد" (اتفاقية) على أنها "عِقْد" (مجوهرات)؟

قصة قصيرة: "عقد المليون الذي تحول إلى إكسسوار"

اعتمدت شركة قانونية على برنامج ذكاء اصطناعي (TTS) لقراءة مسودة اتفاقية قانونية ضخمة أمام مجلس الإدارة لتوفير وقت المحامين. كان النص يتحدث عن "عَقْد الشراكة" (بفتح العين).

الروبوت، ولأنه لا يفهم السياق القانوني، قرأها طوال الجلسة: "بموجب هذا الـ عِقْد (مجوهرات) الثمين...".
تحول الاجتماع الجاد إلى نوبة ضحك هيستيرية، وسأل أحد المستثمرين ساخرًا: "هل الشراكة تتضمن ألماسًا؟". ألغيت الصفقة بسبب "انعدام الجدية"، وخسر المحامي عمولته لأنه استرخص في توظيف معلق بشري يفهم الفرق بين القانون والمجوهرات.

1. جناية "الشَّكْل" على المعنى

هل جربت يومًا أن تعطي نصًا عربيًا غير مشكّل لبرنامج قراءة آلي؟ النتيجة غالبًا ما تكون كوميديا سوداء تجعل "سيبويه" يتقلب في قبره.

اللغة العربية لغة "لئيمة" (بالمعنى الإيجابي للذكاء). الكلمة فيها عبارة عن "هيكل عظمي" (حروف)، والروح هي "الحركات". كلمة مثل (بر) يمكن أن تكون:

  • بَرّ: يابسة.
  • بُرّ: قمح.
  • بِرّ: إحسان.

الروبوت المسكين لا يملك "سياقًا". هو يقوم بعملية "قرعة" إحصائية. إذا كانت معظم النصوص في قاعدة بياناته تتحدث عن "القمح"، فسيقرؤها "بُرّ" حتى لو كانت الجملة تقول: "عليك ببر الوالدين".. فيحولها إلى "عليك بقمح الوالدين"!

قصة قصيرة: "انقلاب القصر الملكي"

في فيلم وثائقي تاريخي، كان النص يقول: "قُتِلَ الملكُ" (مبني للمجهول). استخدم المخرج صوتًا آليًا لتوفير الميزانية.

الروبوت، الذي يكره الغموض، قرأ الجملة: "قَتَلَ الملكُ..." (مبني للمعلوم).
فجأة، تحول الملك من "ضحية" إلى "قاتل سفاح" في نظر المشاهدين، وتغيرت الحقائق التاريخية بضمة وفتحة. اضطرت القناة لسحب الفيلم والاعتذار، وتكبدت خسائر فادحة لإعادة الدبلجة بصوت بشري يفهم التاريخ.

2. مأساة "المبني للمجهول"

أكبر فضيحة للذكاء الاصطناعي في العربية هي "المبني للمجهول". خوارزميات الـ AI تكره الغموض، لذلك هي تفترض دائمًا أن الفاعل موجود.

جملة مثل: "يُكْرَمُ المرءُ في بيته". الروبوت سيقرؤها غالبًا: "يَكْرُمُ المرءُ.." (بمعنى أن المرء أصبح كريمًا). أنت كبشري، بلمح البصر، تفهم أن المرء هنا "مفعول به" في المعنى، فتضم الياء. هذه "اللمحة" الذكية هي ما يعجز عنه أذكى كمبيوتر.

3. كارثة "النبر" (Stress)

حتى لو نجح الروبوت في نطق الحروف، فإنه يسقط في اختبار "النبر". في العربية، مكان الضغط على الكلمة يغير وقعها.

تخيل مذيعًا آليًا يقول: "السلامُ عليْكُم". البشري يضغط على الوسط (لي)، الروبوت قد يضغط على الآخر (كُم) وكأنه يسأل سؤالًا استنكاريًا!

قصة قصيرة: "الابن المتردد"

استخدم طفلٌ "مكبر صوت ذكي" لإرسال رسالة صوتية لوالدته في العمل يقول فيها: "أحبك يا أمي". كان يفتقدها ويريد التعبير عن حبه.

قرأ الذكاء الاصطناعي الجملة بنبرة صاعدة في النهاية (Rising Intonation)، فحولها إلى سؤال: "أحبك يا أمي؟".
شعرت الأم بغصة، ظانةً أن طفلها يشكك في مشاعره أو يسألها بتوتر. الصوت البشري كان سيخفض النبرة في النهاية لتبدو كحضن دافئ ومؤكد.

4. أمثلة من واقع العمل (جرائم لغوية)

1. فضيحة "المُخرج":

روبوت يقرأ "المُخرِج" (Director) بفتح الراء "المُخرَج" (Output). فيقول: "وهذا الفيلم من إبداع المُخرَج فلان" (أي أن فلان هو الذي أُخرِجَ وطُرد!).

2. كارثة "السِّلْم":

نص عن "السَّلَم الموسيقي". الروبوت قرأها "السِّلْم" (السلام). فحول الجملة من درس موسيقي إلى معاهدة سلام دولية.

5. حكمة لغوية

"النحو ليس مجرد حركات توضع فوق الحروف، إنه (المنطق) الذي يحمي المعنى من السقوط في بئر العبث. الروبوت يحفظ الحركات، لكنه يفتقد المنطق."

6. أسلحتك لترويض اللغة (أدوات النجاة)

لا تكن مغرورًا وتعتقد أنك "قاموس محيط" يمشي على قدمين. حتى نحن البشر نخطئ. لذلك، جهزت لك في الحقيبة أدوات تحميك من الزلل:

أولًا: لا تخمن.. شَكِّل

لا تعتمد على حدسك فقط. استخدم هذه الأداة لتشكيل النص آليًا، ثم راجعه بعينك البشرية. هذا يوفر 90% من الوقت.

المُشكّل الذكي

ثانيًا: أين أضغط؟

أداة ذكية تخبرك أين تضع "ثقل" صوتك (النبر) في الجملة لتصل الرسالة بأقوى تأثير، بدلاً من الأداء المسطح.

رادار النبر

الخلاصة: أنت الروح في الآلة

عزيزي الروبوت، أنت تحفظ "ألفية ابن مالك" أفضل مني، هذا صحيح. لكنك لا تعرف متى "تكسر" القاعدة لتصنع جمالًا، ولا تعرف كيف تخفي "الفتحة" قليلًا لتجعل الكلام ينساب بنعومة (الاختلاس).

أيها المعلق، لا تخف من النحو، فهو العمود الفقري الذي يجعل صوتك يقف مستقيمًا. تعلمه، أو استخدم أدواتنا لتسندك، المهم ألا تترك الروبوت يتفوق عليك في "لغتك الأم" ويحول "العَقْد" إلى "عِقْد".