الكتب الصوتية: ماراثون السلاحف
أو: كيف تقرأ 300 صفحة دون أن تكره المؤلف، والناشر، واللغة العربية؟
قصة قصيرة: "احتراق العدّاء"
تحمس "وائل" لتسجيل رواية من 400 صفحة. في اليوم الأول، دخل الاستوديو بحماس وسجل 50 صفحة دفعة واحدة لمدة 6 ساعات متواصلة.
في اليوم التالي، استيقظ وائل وقد فقد صوته تمامًا. أصيبت أحباله الصوتية بالتهاب حاد منعه من الكلام لمدة أسبوعين.
عندما عاد للتسجيل، كان صوته قد تغير (أصبح أخشن)، مما جعله غير مطابق للفصول الأولى. اضطر لإعادة تسجيل الـ 50 صفحة الأولى، وتعلم أن الكتب الصوتية "ماراثون" وليست "سباق 100 متر".
1. وهم "القراءة السهلة"
الكثير يظن أن تسجيل كتاب صوتي هو مجرد "قراءة بصوت عالٍ". هذا خطأ قاتل. تسجيل الكتاب هو عملية تمثيل مستمرة لمدة 10 ساعات.
الروبوت يستطيع قراءة مليون صفحة دون أن يتعب أو يعطش أو يخطئ في تشكيل كلمة. أنت كبشر، لديك طاقة محدودة. التحدي ليس في "جمال" صوتك، بل في "استمرارية" (Consistency) صوتك بنفس الجودة من الصفحة 1 إلى الصفحة 300.
قصة قصيرة: "فصول السنة في كتاب واحد"
بدأ "سعيد" تسجيل كتاب في الشتاء، وكان صوته "دافئًا" بسبب برودة الجو وإغلاق النوافذ. انشغل وتوقف، ثم عاد ليكمل الكتاب في الصيف.
في الصيف، كان سعيد يشغل المروحة بين الفقرات، وكان صوته "مجهدًا" من الحر. عند دمج الملفات، شعر المستمع بالصدمة: الفصل الأول يبدو وكأنه سُجِّل في مكتبة هادئة، والفصل الثاني يبدو وكأنه سُجِّل في مصنع حديد.
النتيجة: الكتاب رُفض فنيًا بسبب "عدم تطابق البيئة الصوتية".
2. لعنة "الشخصيات"
في الروايات، ستضطر لتمثيل صوت "الجد العجوز"، و"الفتاة الصغيرة"، و"الشرير". الروبوت يمكنه تغيير صوته بضغطة زر. أنت تحتاج لتغيير فيزيائية حنجرتك.
المشكلة تقع عندما تنسى الصوت الذي اخترته للشخصية. هل كان "الجد" يتلعثم؟ أم كان صوته أجش؟
قصة قصيرة: "الفصام الصوتي"
كانت "منى" تسجل رواية بها شخصية "لص". قررت أن تعطيه صوتًا هامسًا ومكارًا في الفصل الثالث.
غابت منى عن التسجيل أسبوعًا، ثم عادت لتسجيل الفصل العاشر. نسيت نبرة اللص، وسجلته بصوت "خشن وعدواني".
المستمع أصيب بالارتباك: هل هذا هو نفس اللص؟ أم شخصية جديدة؟ اضطرت منى لإعادة الاستماع لكل الفصول السابقة لتوحيد الشخصيات. غياب التدوين (Character Sheet) كلفها ساعات من العمل الإضافي.
3. أمثلة من واقع العمل (الجحيم التقني)
في الكتب الصوتية الهادئة، المايكروفون يلتقط كل شيء. إذا كنت جائعًا، ستسمع "قرقرة" معدتك في التسجيل. المهندس سيقضي ساعات يحاول حذف صوت أمعائك بدلاً من الاستمتاع بالأداء.
تكتشف في الصفحة 200 أنك كنت تنطق اسم البطل "خَالِد" بينما هو في الحقيقة "خَالِدٌ" (بالتنوين) أو اسم أجنبي نطقته خطأ منذ البداية. التصحيح يعني إعادة 200 صفحة!
4. حكمة الماراثون
"في الكتب الصوتية، السلحفاة تهزم الأرنب دائمًا. الاستمرارية القليلة (تسجيل ساعة يوميًا) أفضل من الحماس المنقطع (تسجيل 10 ساعات ثم الموت لأسبوع)."
5. أدواتك للنجاة (من الحقيبة)
لكي تخرج من هذا المشروع وأنت ما زلت تحتفظ بصوتك وعقلك، استخدم هذه الأدوات:
كم سيستغرق الأمر؟
لا تخمن. الكتاب ذو الـ 200 صفحة لا ينتهي في يومين. استخدم الحاسبة لتعرف الجهد والوقت الحقيقي المطلوب.
لا تُضِع الفصول
تسمية ملفات الكتب (Chapter_01_Raw.wav) أمر حيوي. استخدم معالج الملفات لترتيب مكتبتك تلقائيًا.
الخلاصة: اترك أثرًا
الكتاب الصوتي هو "إرث". صوتك سيرافق المستمع في سيارته، وفي سريره، وأثناء مشيه. أنت لا تقرأ كلمات، أنت تصنع "ذكريات".
الروبوت يقرأ ليُنهي المهمة. أنت تقرأ لتُحيي المعنى. خذ وقتك، اشرب الماء، وتنفس بعمق.. الرحلة طويلة.